- ندوات إذاعية / ٠22برنامج ربيع القلوب - إذاعة القرآن الكريم الدوحة
- /
- ٠2 ربيع القلوب 2 - أحاديث عام 2020
مقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المذيع :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، حياكم الله مستمعينا الكرام عبر إذاعة القرآن الكريم من الدوحة ، أرحب بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج : "ربيع القلوب".
لكم في البداية تحية من فريق العمل ، من الإعداد محمود الدمنهوري ، من التقديم مصابر الشهال ، ومن الهندسة الإذاعية معتصم السلامة .
تشير سورة فصلت مستمعينا الكرام إلى أن القرآن الكريم هو دستور الحياة الإنسانية الكريمة ، وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذه السورة تبين طبيعة المنهج الذي يسير فريق المؤمنين ، وكيف أن الله أنزل لهم القرآن ليهديهم إلى الطريق الموصل إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وفي سورة فصلت يبين الله سبحانه وتعالى موقف المؤمنين منه ، وموقف المشركين منه ، وانهزامهم أمام حقائقه .
في حلقة اليوم مستمعينا الكرام من برنامج "ربيع القلوب" نعيش مع آية من آيات سورة فصلت تحمل دلالات ومضامين تربوية كثيرة ، هي قول الحق الله سبحانه وتعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
أرحب بضيف البرنامج الدائم الداعية الإسلامي فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، حياكم الله دكتور ، وأهلاً وسهلاً بكم من جديد .الدكتور محمد راتب :
بارك الله بكم ، ونفع بكم ، أعلى قدركم .
المذيع :
دكتورنا الفاضل ؛ لو توقفنا بداية مع وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها من الآيات :
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾
المزاوجة بين الشيئين المتقابلين من حكمة الداعية :
الدكتور محمد راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الحقيقة الدقيقة أن هذه الآيات السابقة تحدثت عن عذاب أهل النار ، والمناسب أن يأتي بعدها حديث عن نعيم أهل الجنة ، هذا هو التوازن ، البطولة أن تأتي بالروادع والمرغبات، بالترغيب والترهيب ، المزاوجة بين الشيئين المتقابلين من حكمة الداعية ، من حكمة الذي يدعو إلى الله عز وجل ، فإذا اكتفى بما في النار من عذاب أخطأ خطأ كبيراً ، أن تذكر الجنة والنار، العذاب والثواب ، حال أهل الجنة وحال أهل النار ، هذا التنوع في الأشياء المتقابلة يعطي النفس طمأنينة وأملاً .
فلذلك الله عز وجل بعد أن ذكر حال أهل النار ذكر حال أهل الجنة ، فقال :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾
من توالت عنده القناعات تحرك وفق هدفه :
لكن :
﴿ ثُمَّ ﴾
ثم حرف عطف ، تفيد الترتيب على التراخي ، أما الفاء فتفيد الترتيب على التعقيب، معنى ثم هنا الإيمان يجب أن يأخذ منك وقتاً ، وجهداً ، وبحثاً ، ودراسةً ، وتمحيصاً ، وتحقيقاً، وتدقيقاً ، وتثبتاً ، إلى أن تحقق من هذه الحقائق أملك في الإيمان ، وإلى أن تتحقق من هذه الحقائق أيضاً ، وإلى أن تتبناها ، وعندئذٍ تجد أنك مدفوع شئت أم أبيت ، شعرت أم لم تشعر إلى تطبيقها وتحقيقها في ذاتها ، أي تراكم القناعات تنتهي إلى سلوك ، لذلك التكرار أحياناً له إيجابية ، تراكم القناعات الحقيقية لا بد من أن تنتهي إلى سلوك .لذلك الإنسان إذا قال : ربي ، ربي الله ، أي هذا البحث أثمر إيمان القائل ، أثمر استقامة ، وعملاً صالحاً ، وتأملاً ، وفهماً ، وطمأنينة ، وإقبالاً ، وسعادة ، وهذه الدراسات أصبحت تقدم له تساؤلات أخرى تنتهي إلى إشراقات الإيمان .
أنا أقول والله لا أبالغ ولا أسرف في القول المؤمن بعد أن عرف الله وعرف كل شيء يقول : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني .
وهناك شيء آخر : هذه ثم للترتيب على التراخي ، ثم قام بدراسة عميقة ، وأجرى مع نفسه تساؤلات عديدة ، وتكونت معه إجابات وقناعات .
المذيع :
أي ترسخ الإيمان عنده .
الدكتور محمد راتب :
نعم ، ووقع بينه وبين نفسه حوارات ، قال ودرس ، قال وتحقق ، قال وتعمق ، قال وأتى بالبرهان ، قال وطلب الدليل ، قال وتبنى الأمر ، المعنى انتهى به هذا القول :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾
إلى أن يستقيموا ، القناعات تراكمت ، تجمعت بأدلة عقلية ، نصية ، كونية ، قرآنية، نبوية ، هذه حملتك على الاستقامة ، والإنسان عندما تتوالى القناعات دون أن يشعر يتحرك وفق هذا الهدف .إذاً استقامت قلوبهم بالإقبال على الله ، واستقامت جوارحهم بالانضباط بأمره ونهيه، والاستقامة تعني أشياء كثيرة ، أما المعنى الدقيق والحقيقي والدقيق والواضح فهو استقاموا على أمره أي نفذوا أمره ، التزموا بهديه ، طبقوا الأمر ، تركوا النهي ، تقربوا إلى الله .
العمل الصالح علة وجودنا الأولى في الدنيا :
هناك شيء دقيق جداً : إن الخوف من المستقبل ، والندم على ما فات ، شيئان مقلقان لكل إنسان ، والشياطين يأتون أولياءهم ، ويسوسون لهم من هذا الباب ، وأما المؤمن فقد عافاه الله من كل هذا .
سيدنا علي رضي الله عنه سُئل عن الزهد فقال : هو في كلمتين ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم .
بتعبير آخر أن تبقى الدنيا في يديك لا بقلبك ، والدنيا قوة ، والكلمة الدقيقة الآن والمهمة جداً :
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف))
لأن القوي خياراته في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، ولأن علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح ، لذلك لا بد من أن تكون قوياً ، لا على أن تكون القوة غاية ، بل على أنها وسيلة ، أنت في الدنيا خلقت من أجل العمل الصالح ، إذاً لا بد من أن تبحث عن أسباب القوة حتى تمتلك هذا العمل الصالح ، ولمَ سميّ العمل صالحاً ؟ قال : لأنه يصلح للعرض على الله ، ومتى يصلح ؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، أكاد أقول : إن علة وجودنا الأولى في الدنيا العمل الصالح ، لأنه ثمن الجنة ، الدليل :﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
دليل آخر قوي : الإنسان إذا رأى مكانه في غير الجنة يقول :﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
لأتابع بناء هذا البيت ، لأتابع هذه الصفقة ، لا .﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
فلذلك الإنسان المؤمن لا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت ، وقد ذُكر عن سيدنا الصديق رضي الله عنه أنه وصف بأنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط ، همه الآخرة، همه الجنة ، كل شيء يقربه من الجنة يفعله ، وكل شيء يبعده عن النار يفعله أيضاً .المذيع :
﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
الدكتور محمد راتب :
معجب بهذه العبارة بالذات ، هذه غطت الوقت كله .
﴿ أَلَّا تَخَافُوا ﴾
مستقبلاً :﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
على ما مضى .المذيع :
أريد أن أسألك الفرق بينهما ، لا الخوف على المستقبل ، ولا الندم على الماضي ؟
تعريف الشاب :
الدكتور محمد راتب :
فاته منصب حقق الجنة ، لا يحزن ، سيدنا الصديق ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط ، إطلاقاً .
سيدي أهل الجنة لهم حال آخر ، حياتهم ، أناس يتوهمون أحياناً أن هذا يصلي فقط ، يا أخي أعمق من الصلاة ، هذا عنده ألف بند يتميز به عن غير المؤمن ، أهدافه ، طموحاته ، حركته ، نشاطه .
لي كلمة دقيقة : ما دام هدفك أكبر منك فأنت شاب دائماً ، بل إني أرى أن كلمة شاب لا علاقة لها بالزمن ، أي شخص همه فقط أن يتزوج ويشتري بيتاً ، اشترى بيتاً وتزوج ، وصار عمره خمساً وأربعين سنة ، انتهى كشاب ، بقي بالمعنى السلبي للشيخوخة ، هذا هدفه ، أما المؤمن فيبقى شاباً ما دام هدفه أكبر منه ، ما دام الهدف أكبر فأنت شاب ، أي شاب بالتاسعة والتسعين وشيخ بالمعنى السلبي بالأربعين ، ما دام لك هدف أكبر منك فأنت شاب دائماً ، هذا الشباب .
بالمناسبة : ورد في بعض الآثار :
(( ريح الجنة في الشباب ))
إن الله يقول :(( إن الله يباهي بالشاب التائب ، يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي ))
ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب ، الشاب التائب ، لأن الشاب يمثل المحرك بالسيارة ، قوة اندفاع ، والشيخ الرباني يمثل المقود ، قوة توجيه ، والشرع يمثل الطريق المعبد ، الأمة متى تنتصر ؟ متى تقوى ؟ إذا انطلقت بقوة الشباب ، وبتوجيه العلماء الربانيين على منهج الله .المذيع :
ثلاثية كاملة .
الدكتور محمد راتب :
أبداً ، بقوة الشباب ، وتوجيه العلماء الربانيين ، وعلى منهج الله ، وهو الطريق المعبد ، أما الطريق الآخر فهو وعر ، قد يتلف المركبة ويقتل الركاب .
المذيع :
﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾
وفي القرآن أتت :﴿ تَنَزَّلُ ﴾
ما الفرق بين تنزل وتتنزل ؟الفرق بين تنزل وتتنزل :
الدكتور محمد راتب :
﴿ تَنَزَّلُ ﴾
فيها مبالغة كثيراً وليس قليلاً ، تتنزل كثيراً .المذيع :
الزيادة في المبنى ، وزيادة في المعنى ، لكن هنا ما المقصود :
﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾
الإنسان بين إلهام ملك ووسوسة شيطان :
الدكتور محمد راتب :
الإنسان بين إلهام ملك ، ووسوسة شيطان ، هو إنسان ، لا بد من أن يتحرك ، ما الذي يحركه ؟ إلهام ملك ، أو وسوسة شيطان ، فالبطولة أن تستجيب لخواطر الملائكة ، اخدم، اشترِ لها هذه الحاجة .
أضرب أنا مثلاً دقيقاً جداً بمحاسبة النفس : إنسان دخل للبيت الساعة الثانية بالليل طلبت منه والدته دواء ، قال لها : الصيدليات مغلقة ، فسكتت ، لكنه يعلم أن هناك صيدليات مناوبة ، معه سيارة ، بالحالة الأولى قصر ، شعر بخطأ ، لم ينم مرتاحاً ، بالحالة الثانية ذهب الدواء مفقود ، دار ساعة بالسيارة ، لا يوجد دواء ، بالحالتين الدواء لم تتناوله أمه ، بالحالة الثانية ينام مرتاحاً ، أدى الذي عليه ، وبقي له أن يطلب ما عند الله .
فالإنسان دقيق جداً ، يعلم بدقائق نفسه ، أخطأ أم أصاب ، هذه الفطرة ، والدليل :
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
المذيع :﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ﴾
التبشير بالجنة هنا ، وهناك آيات :﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
الاستخدام أم الاستعارة ؟التبشير التهكمي :
الدكتور محمد راتب :
لكن بين التبشير ، هناك بعض الآراء أنه تبشير تهكمي ، طالب لا يدرس قيل له : أبشر ستكون عاملاً بمعمل ، أبشر ، ما دمت كذلك سوف تكون عاملاً في معمل ، أما طبيب ، مهندس ، لك منصب رفيع ، متزوج ، عندك بيت ، عندك سيارة ، هذه بعيدة عنك ، هذا نوع يسمونه تبشيراً تهكمياً ، واضحة تماماً ؟
المذيع :
العطف هنا شيخنا :
﴿ وَأَبْشِرُوا ﴾
العطف هنا على ماذا ؟أهمية العطف :
الدكتور محمد راتب :
عندنا واو ابتدائية ، وواو عاطفة ، لكن أحياناً يكون العطف مثلاً للمشاكلة ، كيف ؟ الله قال :
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
هذه إعرابها حرف عطف ، هي نحوياً ، لكن بلاغياً تفيد التماثل ، أنت لا تقول : اشتريت مزرعة وملعقة ، لا يوجد تناسب بينهما ، تقول : اشتريت مزرعة وبيتاً ، فعندما ربنا قال:﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾
رفع بر الوالدين إلى مستوى عبادته بالتماثل ، صار عطف تماثل .المذيع :
شيخنا هنا :
﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا ﴾
هنا القائل هو الملائكة للذين :﴿ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
أم الله ؟الملك الإيجابي يلهم المؤمن الخير والشيطان يوسوس له بالشر :
الدكتور محمد راتب :
والله هو أغلب الأمر إلهام ملائكة ، أي لا يوجد خطاب مباشر إلا للأنبياء ، الملائكة ؛ الملك الإيجابي يلهم المؤمن الخير ، والشيطان يوسوس له بالشر .
المذيع :
لكن في هذه الآيات ماذا يعني ؟
الدكتور محمد راتب :
إلهام ملائكي سيدي .
﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
المذيع :﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
الدكتور محمد راتب :في الدنيا ، هي الجنة الحقيقة أن الكلام واسع جداً .
المذيع :
هنا كأن الدنيا صارت من الماضي ، وتوعدون في الدنيا .
تأكد حصول الأحداث ولو لم تقع :
الدكتور محمد راتب :
إنسان نازل بمركبته ، والانحدار شديد ، يكتشف أن المكبح تعطل فجأة، يقول : انتهينا ، الحدث لم يقع بعد ، هذا لتأكد الحصول ، مثلاً :
﴿ أَتَى أَمْرُ ﴾
فعل ماض .﴿ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾
لم يحدث بعد ، إذا كان الشيء محققاً أي انحدار شديد ، المركبة بأعلى سرعة وينتهي الطريق بمنعطف عبارة عن تسعين درجة ، حاد ، والمكبح تعطل ، تقول : انتهينا ، لتحقق الوقوع ، واضحة تماماً ؟المذيع :
﴿ تُوعَدُونَ ﴾
طبعاً هنا عائدة :﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
أي من تحقق فيه هذان الشرطان ؛ الاستقامة ، والإيمان .التفكر بالموت عبادة :
الدكتور محمد راتب :
إذا جاء الابن بجلائه ، وكان متفوقاً بدراسته ، الأب ألا يتكلم ؟ ألا يضمه لصدره ؟ ألا يكافئه بدراجة ؟ ألا يثني عليه ؟ الله عز وجل رب ، مربّ ، فإذا الإنسان قرب يجد من الله تجاوباً كبيراً جداً ، الملائكة تطمئنه ، تطمئنه على مستقبله ، عندنا شيء اسمه : القلق من الموت ، هذا القلق أخي الكريم كلما تقدمت به السن اقترب من هذا القلق ، أي سينتقل من بيت فيه زوجة يحبها ، فيه أولاد أبرار ، فيه بنات محتشمات ، فيه سهر ، فيه لقاءات ، فيه سفريات، فيه ولائم ، فيه سياحة ، إلى قبر ، قال :
(( عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ))
أنا أرى أنه لا يوجد أذكى ولا أعقل ولا أكثر نجاحاً وفلاحاً ممن يعد لهذه الساعة التي لا بد منها ، فلذلك التفكر بالموت عبادة ، ينتقل من كل شيء إلى لا شيء مبدئياً.مرة كنت في المغرب في فاس ، كان هناك زقاق ضيقاً جداً ، مكتوب عند بعض البائعين كلمة : صلِّ قبل أن يصلى عليك .
المذيع :
الآية التي تليها فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي :
﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾
ما حقيقة الولاية هنا شيخنا ؟حقيقة الولاية :
الدكتور محمد راتب :
أي يتولى أمرك ، يدافع عنك ، يلهمك الصواب .
المذيع :
في الدنيا ، وفي الآخرة ، لأنه في الحياة الدنيا والآخرة ....
الدكتور محمد راتب :
في الآخرة جنة في أعلى عليين ، لأن في الآخرة يوجد طعام وشراب ، وحور عين، لكن هناك شيء اسمه : الإقبال على الله ، أي هذا النظر إلى وجه الله ، قال : ينظر المؤمنون إلى وجه الله الكريم في الجنة يغيبون عن الوعي خمسين ألف عام من نشوة النظرة ، فعندنا جنة فيها طعام وشراب ، وحور عين ، وإقبال على وجه الله الكريم .
المذيع :
سبحانه وتعالى .
﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
الغبي من أزاح الجنة من أهدافه :
الدكتور محمد راتب :
أي الجنة فيها :
(( فيها ما لا عين رأتْ ))
إذا شخص كثير السفر ، زار حوالي مئة عاصمة بالأرض لكن ما زارها كلها .(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ))
ما هذا الكلام ؟(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ))
أنا يمكن مدينة باليابان ما زرتها ، لكن أسمع عنها ، أي الدائرة الأولى عين رأت ، الثانية أوسع .(( ولا أذن سمعتْ ))
أما الثالثة فما لها نهاية .(( ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ))
هذه الجنة يزهد بها ؟ هذه الجنة لا نهتم لها ؟ هذا ليس معقولاً ! الحقيقة :
﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
خلقت لجنة عرضها السماوات والأرض ، اكتفيت بسبعين سنة كلها متاعب ، وكلها أحزان وهموم ، الحقيقة غباء كبير حينما نزيح الجنة من أهدافنا .المذيع :
نسبة الشهوة للأنفس .
﴿ تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ﴾
شيخنا ما دلالتها هنا ؟كلما ارتقى مستوى الإنسان ارتقت شهوته :
الدكتور محمد راتب :
الشهوة ؟
المذيع :
﴿ تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾
الدكتور محمد راتب :الشهوة تتصاعد ، بالدنيا تحتاج إلى مال ، تشتهي مالاً لأنه مادة الشهوات ، تحتاج إلى زوجة جميلة مثلاً ، إلى أولاد أبرار ، لكن كلما انتقلت إلى مستوى أعلى الشهوة ارتقى مستواها ، تشتهي النظر إلى وجه الله الكريم ، هذا أرقى مستوى .
المذيع :
﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾
ما معنى تدعون شيخنا هنا ؟في الدنيا ليس كل شيء يمكن أن تصل إليه :
الدكتور محمد راتب :
دعا إلى شيء أي طلبه ، بمعنى الطلب قادم ، تدعون شيئاً ، عفواً هنا بالدنيا ليس كل شيء يمكن أن تصل إليه ، كلما ارتقيت مرتبة تشتهي أعلى منها ، لكن يوجد سقف ، أما كل ما تطلب يأتيك .
المذيع :
ما الفرق ما بين ما تشتهي وما تطلب ؟
الفرق بين ما تشتهي وما تطلب :
الدكتور محمد راتب :
الطلب قد يكون مصلحة ، أنت بحاجة إلى موافقة ، أما الشيء فأودع في قلبك ، أنا أقول كلمة دقيقة : ما أودع الله فينا الشهوات إلا لنرقى إلى رب الأرض والسماوات ، كلمة دقيقة ، ما هي الشهوة ؟
للتقريب : أنا أمثلها بسائل متفجر ، بالبنزين ، إذا وضع هذا السائل بالمستودع المحكم بالمركبة ، وسال في الأنابيب المحكمة ، وانفجر في الوقت المناسب ، والمكان المناسب ولّد حركة نافعة ، أقلتك في العيد إلى مكان جميل ، من خلال الانفجارات التي في المركبة ، صفيحة البنزين نفسها إن صبت على المركبة ، وأصابتها شرارة أحرقت المركبة ومن فيها .
فالشهوات إما أنها قوة دافعة ، أو قوة مدمرة ، وما أودع الله فينا الشهوات في الأصل إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، يشتهي المال لكن ماله محدود ، لا يأكل مالاً حراماً ، لا يأخد رشوة .
المذيع :
﴿ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
الإمام القرطبي الرملاوي قال : الرزق نزلاً أي رزقاً وضيافة .الفرق بين الرزق والكسب :
الدكتور محمد راتب :الحقيقة يوجد كلمة دقيقة :
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾
معنى الإيمان رزق ، أن تصلي صلاة متقنة رزق ، أن ترى عدل الله رزق ، لا أن ترى ظلمه أحياناً ، حتى العطاء الفكري ، والعطاء العقدي ، والعطاء الأسري ، والعطاء الحرفي، هذا رزق .﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾
لكن العلماء قالوا : ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت ، هذا اسمه رزق ، هذا رزق ثلاثة بنود ؛ أكلت فأفنيت ، لبست فأبليت ، تصدقت فأبقيت، أما الكسب بيل غيتس يملك أربعة وتسعين ملياراً ، على فراش الموت قال : هذا الرقم لا يعني عندي شيئاً ، هذا كسب لم تنتفع به ، وسوف تحاسب عليه ، الكسب حجمك المالي ، جوبز يملك سبعمئة مليار ، الكسب حجمك المالي ، لم تنتفع به مباشرة ، ولكن ستحاسب عليه، أما الرزق أكلت فأفنيت ، لبست فأبليت ، تصدقت فأبقيت .المذيع :
فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي في ختام هذه الحلقة لو نتوقف مع اللمسات التدبرية والتربوية في هذه الآيات :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
اللمسات التدبرية والتربوية في الآيات السابقة :
الدكتور محمد راتب :
التدبر ؛ أحياناً يأتي الأمر من قوي ، بلا تعليل ، بلا ثمار ، بلا نتائج ، افعل ، لكن الله عز وجل إذا دعانا إليه ، دعانا إلى جنته ، أعطانا صورة للجنة رائعة جداً ، هذا اسمه: التعليم بالأهداف ، فأنت عندما تقول لطالب : أنت حينما تتفوق ستكون طبيباً ، لك مركبة ، ولك زوجة صالحة عندك بيت ، وعندك أولاد ، هذا اسمه إغراء ، هذا جزء من التعليم ، يبين نتائج إيجابية ، وهو تحفيز .
خاتمة وتوديع :
المذيع :
أحسن الله إليكم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي على هذا اللقاء في برنامج " ربيع القلوب " .
لكم الشكر مستمعينا الكرام على حسن الاستماع والمتابعة .
توقفنا في هذه الحلقة مع آية من سورة فصلت عند قوله تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
هذه الآيات تدبرناها وتوقفنا عند بعض معانيها مع ضيفنا الفاضل فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته